أبي منصور الماتريدي

92

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديبا وتعليما « 1 » ؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم ؛ كقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [ الكهف : 28 ] ، ونهاه أن يمد عينه إلى ما متع أولئك ؛ كقوله : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ . . . الآية [ طه : 131 ] ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله . وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي والحظر « 2 » ، بل العصمة تزيد في النهي والزجر ، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة ؛ وهو كقوله : فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [ النور : 54 ] . وقوله - عزّ وجل - : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ . يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في كل غداة ومساء ، فيسمعون منه ، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم . وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية « 3 » عن الليل كله وعن النهار جملة ؛ كقوله :

--> - وروى الإمام أحمد ( 1 / 420 ) عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار ، فقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء ؟ فنزل عليه القرآن : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ إلى قوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 51 ، 53 ] . ورواه ابن جرير عن ابن مسعود أيضا قال : مر الملأ من قريش برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين وفيه : فقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ونحن نصير تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم ، فلعلك إن طردتهم نتبعك ! فنزلت هذه الآية : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ . . . إلى آخر الآية [ الأنعام : 52 ] الآية . إذا علمت ذلك تبين أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يطردهم بالفعل ، وإنما هم بإبعادهم عن مجلسه آن قدوم أولئك ، ليتألفهم فيقودهم ذلك إلى الإيمان ، فنهاه الله عن إمضاء ذلك الهم . وما أورده الرازي من كونه صلّى اللّه عليه وسلم طردهم ، ثم أخذ يتكلف في الجواب عنه ، لمنافاته العصمة على زعمه ، فبناء على واه . والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته ، وإلا فالباطل يكفي في رده ، كونه باطلا . والمعنى : لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك ، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك . كقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] . ( 1 ) ورد في ب : تأديب وتعليم . والصواب ما ذكر في ( أ ) على أنه صبي يكون . ( 2 ) في أ : الخطر . ( 3 ) الكناية لغة : أن تتكلم بشيء وتريد غيره ، يقال كنيت بكذا عن كذا وكنيت عن الشيء كناية ، وكنى عن الأمر بغيره ، يعني إذا تكلم بغيره مما يستدل عليه نحو الرفث والغائط . ينظر لسان العرب ( 5 / 3944 ) ، ترتيب القاموس ( 4 / 92 ) ، الصحاح ( 6 / 2477 ) ، أساس البلاغة للزمخشري ص ( 836 ) -